أسرى الداخل بين التنازل والنخوة والمفاوض الأمين!
مؤسسة يوسف الصديق
نشر بتاريخ: 24.01.2010

أسرى الداخل بين التنازل والنخوة والمفاوض الأمين!

                           

ابراهيم كناعنه

منذ الاحتلال بل ومنذ نكبة العام 1948، وكرد فعل على القمع والقهر والاحتلال والتهجير، وحرصًا منهم على تجسيد الانتماء لشعبنا العربي الفلسطيني بتاريخه وجغرافيته وأطيافه السياسية والاجتماعية، وكذلك الانتماء للأمتين العربية والاسلامية، تمكن المئات من ابناء شعبنا العربي والفلسطيني الذين بقوا على هذه الارض الطاهرة صامدين تحت نير الاحتلال وتمكنوا من الانخراط داخل المقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى مرورًا بفصائل المقاومة الفلسطينية، حرصًا منهم على انتمائهم وايمانهم بالنصر واحقاق الحق المششروع للشعب الفلسطيني وعلى رأسه حق العودة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. قسم من هؤلاء المقاومين البواسل قد تعرض للاسر على أيدي سلطات الاحتلال الكولنيالي، منهم من تحرر في عمليات تبادل الاسرى التي تمت بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال، ومنهم من ينتظر الحرية.

في عمليات تبادل الاسرى التي تمت بين فصائل المقاومة والاحتلال في العم 1980 و1983و 1985 استطاعت هذه الفصائل إدراج أسرى الداخل في قائمة الاسرى المحررين حيث تحرر ما يقارب 70 أسيرًا من أسرى الداخل من سجون الاحتلال، وتمكنت الفصائل من كسر قواعد التفاوض الذي تفرضه اليوم سلطة الاحتلال وخاصة عملية التبادل التي تمت بين الجبهة الشعبية القيادة العامة والاحتلال في العام 1985، حيث فرض المفاوض الفلسطيني على الاحتلال قرارًا بمنح الاسير المحرر من الداخل خيارات البقاء في أرض الوطن أو المنفى الطوعي، وهذا ما حصل فقد بقي عدد منهم في أرض الوطن واستمروا في حياتهم العادية والجهادية أيضًا. إنجاز كهذا يعتبر خطوة نوعية تقوم بها فصائل المقاومة في الاهتمام بقضايا الداخل الفلسطيني وعلى رأسها قضية الاسرى الذين قدموا الغالي والنفيس في خدمة القضية الفلسطينية خاصة والعربية عامة.

ليس صعبًا على السلطة الاسرائيلية بمخابراتها زج النشيطين سياسيًا في الداخل بتهم أمنية تختلقها بنفسها وتحيكها ضد المناضلين من أبناء شعبنا، ولنا تجارب طويلة مع أجهزة السلطة بهذا الخصوص، فقد زجت بالعشرات من أبناء شعبنا في سجونها بأحكام جائرة تصل الى المؤبد والغير محددة مدته الزمنية بتهم ليس لها أساس، وجاء اتفاق اوسلو المشؤوم وسيء السيط والذي وقعه جزء من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية مع الدولة العبرية لتتنازل هذه المنظمة عن حقها في التداول في شؤون الداخل الفلسطيني، بما فيهم الاسرى، وفي نفس الوقت إنتخى عدد من قيادات الاحزاب السياسية في الداخل لحل قضية أسرانا على اعتبار أن مشروع المواطنة من المؤكد أنه سيشمل هذا الجزء من أبنائنا إما بالعفو من قبل رئيس الدولة، أو بتحديد حكم المؤبد كباقي السجناء الجنائيين من قطاع الاجرام والمخدرات وغيرها، ومن ثم منحهم تخفيض ثلث مدة الحكم المحددة.

بين تنازل السلطة الفلسطينية عن أسرى الداخل في اتفاق اوسلو و النخوة لاحزاب عربية في العمل على إطلاق سراحهم، تحول أبنائنا الى مجرد ورقة ربح أو خسارة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية على صعيد الفصائل، والانتخابات التشريعية الاسرائيلية على صعيد الاحزاب التي انتخت لحل قضيتهم، وأصبح أسرى الداخل يسمون يطلقون على وضعهم مصطلح المنسيون.

لن نخوض في الخلافات التي نشأت بين الاسرى بهذا الصدد، ولكن الاسرى أنفسهم يعرفون الضرر الذي لحق بهم بعد هذه الخطوات الانهزامية التي حدثت من فصائل اوسلو وأحزابه.

في المرحلة السابقة والقريبة من النضال ضد الاحتلال، استطاعت المقاومة الفلسطينية واللبنانية فرض أجندة جديدة على هذا الصراع، وأصبحت عملية أسر جنود أسرائيليين لمبادلتهم باسرى عرب هي من صلب النضال الوطني والقومي، وأعادت الاعتبار للاسير نفسه وقيمته الانسانية، كما أنها اسقطت ورقة التين عن المفاوض السياسي الضعيف أمام الدولة العبرية.

في هذه المرحلة والتي تعتبر حرجة بعد الخروج من الحرب والعدوان المخطط بتواطؤ عربي رسمي، والدخول بحرب غير مرئية بتواطؤ نفس الانظمة، من المهم والواجب أن يعرف المفاوض الفلسطيني واللبناني ونعتقد أنهم يعرفوا أكثر منا أن الاسرى هم أسرى قبل أسرهم، لأنهم أسرى للقضية الوطنية والقومية والانسانية التي ناضلوا من أجلها وعرفوا أنهم قد يدفعون ثمنًا باهضًأ جدًا لايمانهم بصدق وعدالة القضية التي يناضلون من أجلها.

الاهتمام بأسرى الداخل وتحريرهم أو عدد منهم عن طريق عملية تبادل للاسرى تضع شروطها المقاومة، يعيد الى الانسان العربي في هذه البلاد الكثير من القناعات التي عملت اوسلو على سحبها، ويُجَذِّر الايمان بأن هناك رجالًا من هذه الامة ما زالت تؤمن به وتهتم بقضاياه، أما اهمالهم وعدم الاهتمام بهم والتنازل عنهم كما حصل في اوسلو، فان ذلك يحط من عزيمة الاسرى وذويهم، ويتحول عدم الاهتمام هذا الى ورقة ضغط على صمود ونضال الجماهير العربية والشرفاء منهم، ويفتح المجال أمام المنافقين من هذه الامة وخاصة في الداخل الفلسطيني من أصحاب النضريات البراقة في ظاهرها والمؤسرلة في بواطنها للمزاودة على قدرات حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية في قضية الاسرى.

رد الاعتبار للأسير العربي والفلسطيني لا يتم بادراج أسمه في قائمة التبادل فقط، بل بفرض شروط التبادل، خاصة وأن التفاوض على عملية التبادل يأتي بعد خسارة الطرف الاسرائيلي في عدوانه على لبنان، وصمود المقاومة اللبنانية، وهزيمة النخبة والقيادة من الجيش الاسرائيلي، بالاضافة الى أن أوراق التفاوض موضوعة بأيدي مفاوض يعرف قيمة الاسرى ومن المؤكد أنه مفاوض أمين.

أما ترك شأن الداخل الفلسطيني بعمومه وبأسراه بأيدي أحزاب من الداخل الفلسطيني تعمل وتأتمر بسقف النظام السياسي الاسرائيلي فلن يجلب الى الاسرى تحديدًا والشعب الفلسطيني في الداخل عمومًا إلا الصائب والويلات، والتجارب البعيدة والقريبة لخير شهيد على ما نقول.



جاري عرض التعقيبات, إنتظر قليلاً...